ابن أبي الحديد

36

شرح نهج البلاغة

قال الواقدي : فلما أحضر علي عليه السلام الماء ، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشرب منه ، فلم يستطع ، وقد كان عطشا ووجد ريحا من الماء كرهها ، فقال : هذا ماء آجن ، فتمضمض منه للدم الذي كان بفيه ثم مجه ، وغسلت فاطمة به الدم عن أبيها صلى الله عليه وسلم ، فخرج محمد بن مسلمة يطب مع النساء ، وكن أربع عشرة امرأة ، قد جئن من المدينة يتلقين الناس منهن فاطمة عليها السلام يحملن الطعام والشراب على ظهورهن ، ويسقين الجرحى ويداوينهم . قال الواقدي : قال كعب بن مالك : رأيت عائشة وأم سليم على ظهورهما القرب تحملانها يوم أحد ، وكانت حمنة بنت جحش تسقى العطشى وتداوي الجرحى ، فلم يجد محمد بن مسلمة عندهن ماء ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عطشه ، فذهب محمد بن مسلمة إلى قناة ومعه سقاؤه حتى استقى من حسي - قناه عند قصور التميميين اليوم - فجاء بماء عذب ، فشرب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير ، وجعل الدم لا ينقطع من وجهه عليه السلام وهو يقول : لن ينالوا منا مثلها حتى نستلم الركن ! فلما رأت فاطمة الدم لا يرقأ وهي تغسل جراحه ، وعلي يصب الماء عليها بالمجن ، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادا ، ثم ألصقته بالجرح ، فاستمسك الدم . ويقال : إنها داوته بصوفة محرقة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يداوى الجراح الذي في وجهه بعظم بال حتى ذهب أثره . ولقد مكث يجد وهن ضربة ابن قميئة على عاتقه شهرا أو أكثر من شهر ، ويداوي الأثر الذي في وجهه بعظم . قال الواقدي : وقال رسول الله صلى الله عليه وآله قبل أن ينصرف إلى المدينة : من يأتينا بخبر سعد بن الربيع ؟ فإني رأيته - وأشار بيده إلى ناحية من الوادي - قد شرع فيه اثنا عشر سنانا ، فخرج محمد بن مسلمة - ويقال أبي بن كعب - نحو تلك الناحية . قال : فأنا وسط القتلى لتعرفهم ، إذ مررت به صريعا في الوادي ، فناديته فلم يجب ، ثم قلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليك . قال : فتنفس كما يتنفس الطير ، ثم قال :